ابن عربي
86
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
منه منظرا ، وشهدت منه مخبرا ، لا يزال ذكره يتجدد على قلبي . قال : هات ما مرّ على رأسك منه ، فقال : خرجت يا أمير المؤمنين في صبية من أفناء قبائل العرب ذوي شارة حسنة ترتمي بنا المهاري بأكسائها القيروانية ، ومعنا البغال عليها العبيد يقودون عناق الخيل ، نريد الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام ، فاخروط بنا المسير في جمارة القيظ ، حتى إذا عصبت الأفواه ، وذبلت الشفاه ، وسالت المياه ، وأذكت الجو المعر ، وذاب الصخر الجندب ، وضاف العصفور الضبّ في وجاره ، قال قائلنا : أيها الركب ، غوروا بنا في وضوح هذا الوادي ، وإذا واد كثير الدّغل ، دائم الغلل ، شجراؤه معثة ، وأطياره مرثة . فحططنا رحالنا بأصول دوحات كنهبلات متهدلات ، قاصبنا من فضلات المزاود ، وأتبعناها بالماء البارد ، فإنا لنصف حرّ يومنا ، ومماطلته ومطاولته ، إذ صرّ أقصى الخيل أذنيه ، وفحص الأرض بيديه ، ثم ما لبث أن جال فحمحم ، وبال فهمهم ، ثم فعل الذي يليه واحد فواحد ، فتضعضعت الخيل ، وتكعكعت الإبل ، وتقهقرت البغال ، فمن نافر بشكاله ، وناهض بعقاله ، فعلمنا أن قد أتينا ، وأنه السبع لا شك ، ففزع كل امرئ إليه بسيفه ، واستلّ من جربانه ، ثم وقفنا له زردقا ، فأقبل يتطلع في مشيته كأنه مجنون ، أو في هجار ، لصدره مخيط ، ولبلاعيمه غطيط ، ولطرفه وميض ، ولأرساغه نقيض ، كأنما يخبط هشيما ، أو يطأ صريما ، وإذا هامة كالمجنّ ، وخدّ كالمسنّ ، وعينان شجراوان كأنهما تقدّان ، وقصرة ربلة ، ولهزمة رهلة ، وكيد مغتبط ، وزور مفرط ، وساعد مجدول ، وعضد مفتول ، وكفّ شبيه المراثن إلى مخالب كالمحاجن . ثم ضرب بذنبه الأرض فأرهج ، وكشر فأفرج عن أنياب كالمعاول ، مصقولة غير مغلولة ، وفم أشدق كالغار الأخرق ، ثم تمطى فأسرع بيديه ، وحفز وركيه برجليه ، حتى صار ظله مثليه . ثم أقعا فاقشعر ، ثم مثل فاكفهرّ ، ثم تجهّم فازبأرّ . فلا والذي بيته في السماء ما اتّقيناه بأول من أخ لنا من بني فزارة ، كان ضخم الجزارة ، فوهصه ، ثم أقعصه ، فقضقض متنه ، وبقر بطنه ، فجعل يألغ في دمه ، فدمرت أصحابي ، فبعد رأي ما استقدموا ، فكرّ مقشعرا لزئيرة كان بها سهما حوليا ، فاختلج من دوني رجلا ذا حوابا ، فنفضه نفضة ، فتزايلت أوصاله ، وانقطعت أوداجه ، ثم نهض فقرقر ، ثم زفر فبربر ، ثم زأر فجرجر ، ثم لحظ فو اللّه لخلت البرق يتطاير من تحت جفونه من عن شماله ويمينه ، فأرعشت الأيدي ، واصطكت الأرجل ، وأطت الأضلاع ، وارتجت الأسماع ، وجمحت العيون ، وانخزلت المتون ، ولحقت البطون بالظهور ، وساءت الظنون ، وأنشأ يقول : عبوس شموس مصلخدّ خنابس * جريء على الأرواح للقرن قاهر منيع ويحمي كل واد يرومه * شديد أصول الماضغين مكابر